فهرس الفصول
- الاستفتاح
- النسب الشريف
- رؤيا البشارة
- المولد والتسمية
- شبهه بجدّه ﷺ
- ريحانتا الدنيا
- ليلةُ أسامة
- التعويذ
- يومُ المنبر
- في المحراب
- الكساء والمباهلة
- في السِّكّة: حسينٌ مني
- في موكب البيت النبوي
- بعد الجدّ ﷺ
- أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء
- عبادتُه وحجُّه
- من مكارم أخلاقه
- من علمه وروايته
- البشارة بالشهادة
- الطريق إلى العراق
- يوم عاشوراء
- ما بعد الشهادة
- الختام والدعاء
المولد المنثور
1الاستفتاح
أستفتحُ القولَ باسم الله الذي أضاء بنور نبيّه الآفاق، وجعل مودّة آله عُروةً لا انفصامَ لها ولا افتراق. وأحمده حمدًا يليق بجلال وجهه الكريم، وأشكره على ما أسبغ من فضله العميم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدّخرها ليوم العرض والحساب، وأرجو بها النجاة من أليم العقاب. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي أمره ربه أن يقول: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغُرّ الميامين.
وبعدُ، فهذه نفحاتٌ من سيرة الريحانة الثانية، وقطراتٌ من بحر المكارم الحسينية الصافية؛ أجمع فيها ما حفظه أهل الحديث والسِّيَر من الأخبار، وأنثر ما طاب من الشمائل والآثار، راجيًا أن تكون لقارئها في مجالس المحبة أنيسًا، ولسامعها في وُدّ الجدّ الأعظم ﷺ زادًا نفيسًا.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
2النسب الشريف
هو سيدنا الإمام أبو عبد الله الحسين، ابنُ أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، ابنِ عمّ رسول الله ﷺ وصهرِه، وأمُّه السيدة فاطمة الزهراء البتول عليها السلام، بَضعةُ المصطفى وقرّةُ عينه. فجدُّه سيدُ ولد آدم، وأمُّه سيدةُ نساء العالَم، وأبوه الفارسُ الذي ما نكص عن الحق ولا أحجم، وأخوه سيدنا الإمام الحسن ريحانةُ البيت الأكرم.
نسبٌ تتلألأ حلقاتُه كالدرّ في السلك المنظوم، ويتصل أصلُه بالنبي ﷺ اتصالَ الضياء بالنجوم؛ إذا ذُكر اهتزّت له القلوب حنينًا، وإذا تُلي في المجالس ازداد به المحبّون يقينًا. وقد أبقى الله من ذريته المباركة ابنَه عليًّا، الإمامَ زين العابدين، فكان منه نسلُ الأشراف في المشارق والمغارب، كما ذكر الإمام الشعراني رضي الله عنه1؛ فهم نجومٌ من ذلك البدر، وأغصانٌ من تلك الدوحة الطاهرة الأصل.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
3رؤيا البشارة
وقبل أن يُطلّ هذا القمر على الوجود، وتتزيّن بمقدمه بيوتُ الجود، رأت أمُّ الفضل بنت الحارث رضي الله عنها فيما يرى النائم كأن عضوًا من أعضاء النبي ﷺ في بيتها، وفي روايةٍ في حِجرها، فقصّتها على رسول الله ﷺ، فقال: خيرًا رأيتِ، تلدُ فاطمةُ غلامًا فتُرضعينه بلبن قُثَم
2. فكانت الرؤيا بشارةً سبقت المولد، ونسمةً هبّت قبل أن يتفتّح الورد.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
4المولد والتسمية
ولمّا أراد الله أن يزيد بيتَ النبوة بهجةً على بهجة، ويُطلعَ في سماء المدينة المنورة نجمًا ثانيًا يملأ المُهجة، وضعت السيدة فاطمة الزهراء غلامًا مباركًا، في ليالٍ خمسٍ خلونَ من شعبان، من السنة الرابعة لهجرة سيد ولد عدنان، على ما رواه الإمام الزبير بن بكّار العالمُ بأنساب قريش وأخبارها3؛ ولأهل السير في يوم مولده أقوالٌ أُخَر يذكرونها.
وكان سيدنا علي كرّم الله وجهه قد سمّى ابنه الأكبر حربًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟
قال: حربًا، قال: بل هو حسن
. فلما وُلد الثاني سمّاه حربًا، فجاء ﷺ فقال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟
قال: حربًا، قال: بل هو حسين
. فلما وُلد الثالث سمّاه حربًا، فقال ﷺ: بل هو محسّن
، ثم قال: إني سمّيتهم بأسماء ولد هارون: شَبَّر وشُبَير ومُشَبِّر
4. فمحا ﷺ اسم الحرب، وكتب على جبين الوليد اسمَ الحُسن والقرب؛ فكان اسمًا من اسم أخيه الحسن مأخوذًا، وبحروف الحُسن والإحسان ملحوظًا، وكان للسبطين في بيت محمد ﷺ ما كان لابنَي هارون في بيت موسى عليهما السلام من المنزلة والمكان.
ثم دفعه ﷺ إلى أم الفضل، فكانت تُرضعه بلبن ابنها قُثَم، كما بشّرتها الرؤيا5. وكان الحسين يومًا في حِجر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقالت أم الفضل: البسْ ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسله، فقال ﷺ: إنما يُغسل من بول الأنثى، ويُنضح من بول الذكر
6؛ فما ضاق بالرضيع صدرُه، ولا تغيّر عليه بِشرُه، بل علّم أمّته الرفق وهو في حِجره.
وعقّ رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا7، وفي رواية أنس بن مالك رضي الله عنه أنه أمر برأسيهما يوم سابعهما فحُلقا، ثم تصدّق بوزن الشعر فضة8، ووزنت السيدة فاطمة شعرهما وتصدّقت بزنته فضة9. فيا لَه من مولودٍ اختار اسمَه خيرُ البريّة، ونشأ في حِجرٍ تحوطه العنايةُ الإلهية، وتظلّله النبوة المحمدية.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
5شبهه بجدّه ﷺ
وكان عليه السلام من جدّه ﷺ في الخَلق قريبًا، وبصورته الشريفة شبيهًا؛ فقد قال أبوه سيدنا علي كرّم الله وجهه: الحسن أشبهُ برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبهُ به فيما كان أسفلَ من ذلك
10. وقال محمد بن الضحاك الحِزامي: كان جسدُ الحسين شِبهَ جسدِ رسول الله ﷺ
11.
فكأنّما اقتسم السبطان جمال الجدّ قسمةً عادلة، فحاز كلٌّ منهما من الحُسن المحمدي حظًّا وافرًا وحصةً كاملة؛ فطوبى لعينٍ رأتهما يمشيان معًا، فرأت في كلٍّ منهما من ذلك الجمال موضعًا.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
6ريحانتا الدنيا
وكان رسول الله ﷺ يرى في السبطين طيبَ الدنيا وريحانَها، وبهجةَ العين وسلوانَها؛ فقال فيهما ﷺ كما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: هما ريحانتاي من الدنيا
12. وقال ﷺ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
13.
وسُئل ﷺ، كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه: أيُّ أهل بيتك أحبُّ إليك؟ قال: الحسن والحسين
. وكان يقول لفاطمة: ادعي لي ابنيَّ
، فيشمُّهما ويضمُّهما إليه14. فيا طيبَ ريحانتين شمّهما خيرُ مَن شمّ، ويا سعدَ غصنين ضمّهما أكرمُ مَن ضمّ.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
7ليلةُ أسامة
وطرق أسامة بن زيد رضي الله عنهما بابَ رسول الله ﷺ ذات ليلة في بعض حاجته، فخرج إليه النبي ﷺ وهو مشتملٌ على شيءٍ لا يدري أسامة ما هو. فلما فرغ من حاجته قال: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه، فإذا الحسن والحسين على وَرِكَيه، فقال ﷺ: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبَّهما، وأحِبَّ من يحبهما
15.
سرٌّ كان تحت الرداء مكنونًا، فلما كُشف صار للأمة دعاءً مأمونًا؛ فمن أحبّهما دخل في تلك الدعوة المباركة، وكان له في محبة الله نصيبٌ ومشاركة.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
8التعويذ
وكان ﷺ يحوط سبطيه بالدعاء صباحَ مساء، ويستودعهما ربَّ الأرض والسماء؛ فكان يعوّذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوّذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامّة، ومن كل عينٍ لامّة
16.
فوصلهما ﷺ بأبيهما الخليل إبراهيم عليه السلام، وجعل تعويذهما من تعويذ بيوت الأنبياء الكرام؛ فنشأ الحسين في حرزٍ من كلمات الله التامات، يتنقّل من دعوةٍ إلى دعوة، كما تتنقّل الأنوار في المشكاة.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
9يومُ المنبر
وبينما رسول الله ﷺ يخطب الناس، كما روى بريدة رضي الله عنه، إذ أقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثُران. فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثُران، فلم أصبر حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهما
17.
خطوتان صغيرتان تعثّرتا في المسجد الشريف، فقام لهما سيد الخلق عن منبره المنيف؛ وكانت الرحمة أبلغَ خطبةٍ ألقاها ذلك اليوم، وأوعى درسٍ عقله القوم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
10في المحراب
ولم تكن المساجد عن السبط محجوبة، ولا الصلاةُ عن أنسه مسلوبة؛ فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن الحسين جاء يشتدّ ورسول الله ﷺ يصلي، فالتزم عنقه، فقام ﷺ به، وأخذ بيده، فلم يزل ممسكها حتى ركع18. فيا لها من صلاةٍ جمعت بين مناجاة الخالق ورحمة المخلوق، وبين خشوع القلب ووفاء الحقوق.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
11الكساء والمباهلة
وروت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ خرج غداةً وعليه مِرطٌ مرحَّلٌ من شَعرٍ أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾19.
ولمّا نزل قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، دعا رسول الله ﷺ عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي
20.
كساءٌ واحد ضمّ خمسةَ أنوار، وآيةٌ نزلت فطاب بها الدار والجار؛ فكان الحسين في ذلك الجمع الأطهر، وتحت ذلك المِرط الأنور، اسمًا يُدعى، ونورًا يُرعى.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
12في السِّكّة: حسينٌ مني
وخرج يعلى بن مرة رضي الله عنه مع النبي ﷺ إلى طعامٍ دُعوا له، فإذا حسينٌ يلعب في السِّكّة. فتقدّم النبي ﷺ أمام القوم، وبسط يديه، فجعل الغلام يفرّ هاهنا وهاهنا، والنبي ﷺ يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى في فأس رأسه، فقبّله21.
وقال ﷺ: حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينًا، حسينٌ سِبطٌ من الأسباط
22.
فيا لها من كلمةٍ جعلت الحسين من النبي، والنبيَّ من الحسين، فصار حبُّه طريقًا إلى حب الله، وحفظُ وُدّه دَينًا على كل مؤمنٍ ودَين. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: من سرّه أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله
23.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
13في موكب البيت النبوي
وكان السبطان في حياة جدّهما ﷺ زينةَ المواكب، وأُنسَ المجالس والمراكب. قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: لقد قُدتُ بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلتَه الشهباء، حتى أدخلتُهم حُجرة النبي ﷺ، هذا قُدّامه وهذا خلفه
24. وكان ﷺ إذا قدم من سفرٍ تلقّاه صبيان أهل بيته، فاستقبله الحسين وعبد الله بن جعفر يومًا، فجعل أحدهما بين يديه والآخر خلفه25. وخرج الحسن والحسين مع عبد الله بن عباس وأسامة بن زيد يوم الفطر إلى المصلّى، فصلّى بهم رسول الله ﷺ، ثم خطب فحضّ على الصدقة26؛ فشبّا بين المصلّى والمسجد، وتعلّما الجود من يدٍ لا تُمسك ولا تَرُدّ.
وكان ﷺ يحفظ قلوبهم من التعلّق بزهرة الدنيا كما يحفظ أبدانهم من الأذى؛ فقد قدم من غزاةٍ له، وقد علّقت السيدة فاطمة سترًا على بابها، وحلّت الحسن والحسين قُلْبَين من فضة، فلم يدخل، فهتكت الستر، وفكّت القُلبين عن الصبيين، فانطلقا إليه يبكيان، فأخذه منهما وقال: يا ثوبان، اذهب بهذا إلى آل فلان، إن هؤلاء أهلي، أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان، اشترِ لفاطمة قلادةً من عَصْب، وسوارين من عاج
27. فنشأ الحسين على الزهد في المتاع، والقناعة بما يُبلّغ ولا يُطغي؛ فكانت حليتُه التقوى، وزينتُه الرضا بالأدنى.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
14بعد الجدّ ﷺ
ثم انتقل الجدّ الأعظم ﷺ إلى الرفيق الأعلى، والسبطُ في نحو السابعة من عمره28، فحفظ له أصحابُ النبي ﷺ وُدَّ جدّه، وعرفوا له قدرَه ومجدَه. فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل للحسين مثلَ عطاء أبيه خمسة آلاف، لقرابته من رسول الله ﷺ، وكسا أبناء الصحابة يومًا، فلم يكن في الكسوة ما يصلح للحسن والحسين، فبعث إلى اليمن فأُتي لهما بكسوة، فقال: الآن طابت نفسي
29.
وصعد الحسين وهو غلامٌ إلى عمر وهو على منبر رسول الله ﷺ، فقال: انزلْ عن منبر أبي، واذهبْ إلى منبر أبيك
، فقال عمر: إن أبي لم يكن له منبر
، وأخذه فأجلسه بين يديه، فجعل الغلام يقلّب حصًى في يده. فلما نزل ذهب به إلى منزله وقال: من أمرك بهذا؟
قال: ما أمرني به أحد
، فقال عمر: جعلتَ تغشانا، جعلتَ تأتينا
. ثم جاءه الحسين يومًا وهو خالٍ بمعاوية، وجاء ابنه عبد الله بن عمر فرجع، فرجع الحسين معه، فلما لقيه عمر بعدُ وعلم ذلك قال: أنت أحقُّ بالإذن من عبد الله بن عمر
، وذكر أن ما هم فيه من خيرٍ فإنما هو من الله ثم منهم أهلَ البيت، ووضع يده على رأسه30. فيا لها من عزّةٍ صغيرةٍ في قلبٍ كبير، ومن رحمةٍ في الفاروق تُكرم الحفيد كما أكرم الجدَّ البشيرَ النذير. وأقبل أبو هريرة رضي الله عنه في جنازةٍ ينفض بثوبه التراب عن قدمي الحسين31؛ فكان الصحابة يرون في وجهه وجهَ الحبيب، ويجدون في صحبته رائحةَ ذلك العهد القريب.
وكان بين الأخوين من المودّة ما يُضرب به المثل، ومن الأدب ما يزيّن الأقوال والعمل؛ قال الحسن للحسين يومًا: وددتُ أن لي بعضَ شدّة قلبك
، فقال الحسين: وأنا وددتُ أن لي بعضَ ما بُسط من لسانك
32. فهذا يغبط أخاه على ثبات الجَنان، وذاك يغبطه على فصاحة اللسان، وكلٌّ منهما بما أُعطي راضٍ، وبما في أخيه فرحان.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
15أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في مسجد رسول الله ﷺ، فمرّ الحسين فسلّم، فردّ القوم وسكت عبد الله، ثم رفع صوته بعد أن سكتوا فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أقبل على القوم فقال: ألا أخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟ هو هذا المقفّي، والله ما كلّمته ولا كلّمني منذ ليالي صفّين، ووالله لأن يرضى عني أحبُّ إليّ من أن يكون لي مثلُ أُحُد
.
فغدا به أبو سعيد الخدري إلى الحسين، فاستأذن له حتى أذن، فلما دخل مدّه الحسين إليه، وجلس بينهما أبو سعيد فقصّ القصة، فقال الحسين: أكذاك يا ابن عمرو، أتعلم أني أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قال: إي وربِّ الكعبة. فلما ذكر عبد الله عذره في صفّين، قال له الحسين: أما علمتَ أنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق؟
قال: بلى، فكأنه قبل منه33. فجمع الإمام في مجلسٍ واحد بين الحلم والإنصاف، وبين العفو وإقامة الحق بلا إسراف.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
16عبادتُه وحجُّه
ثم شبّ الحسين على ما رُبّي عليه، فكانت العبادة قرّة عينيه. ذكر أهلُ الأخبار أنه حجّ خمسًا وعشرين حجةً ماشيًا على قدميه، ونجائبُه تُقاد بين يديه34؛ يترك المطايا وهي حاضرة، ويمشي إلى البيت بنفسٍ خاشعةٍ صابرة، تعظيمًا لحرم جدّه، وشوقًا إلى ربّ العزة في عليائه ومجده.
ووقف عكرمة مع الحسين بالمزدلفة، فلم يزل يسمعه يقول: لبّيك، لبّيك
حتى انتهى إلى الجمرة، فسأله عن ذلك، فقال: سمعتُ أبي علي بن أبي طالب يُهلّ حتى انتهى إلى الجمرة، وحدّثني أن رسول الله ﷺ أهلّ حتى انتهى إليها
35. فكان في نسكه على أثر أبيه، وفي أبيه على أثر النبي ﷺ؛ سلسلةٌ من نور، يتلقّاها الأبناء عن الآباء جيلًا بعد جيل.
وسُئل ابنه الإمام علي زين العابدين عن الصلاة في الكعبة فقال: صلّيتُ مع أبي الحسين بن علي في الكعبة
36.
وخرج في سفرٍ إلى مكة، فمرض في الطريق بالسُّقيا، فأقام عليه عبد الله بن جعفر يمرّضه، حتى إذا خاف فوت الحج مضى، وبعث إلى سيدنا علي وأسماء بنت عُميس، فقدما عليه، فأشار الحسين إلى رأسه، فأمر علي برأسه فحُلق، ثم نسك عنه بالسقيا فنحر بعيرًا37؛ فأحاطت به في مرضه قلوبُ أهله، كما أحاطت به في صحته أنوارُ فضله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
17من مكارم أخلاقه
وكان الجودُ والحِلم والوفاء بين يديه، والحياء والإنصاف من حُلّتيه. جاء حرملةُ مولى أسامة بن زيد قاصدًا، فذهب إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فأوقروا له راحلته38؛ فرجع وقد امتلأت يداه، وبقي ذكرُ ذلك الكرم في الدنيا يُروى ويُتلقّى.
ويُؤثَر من كلامه في قضاء الحوائج: اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نِعم الله عز وجل عليكم، فلا تملّوا النِّعم فتعود نِقمًا
، ومن كلامه في الجود: من جاد ساد، ومن بخل ذل، ومن تعجّل لأخيه خيرًا وجده إذا قدم عليه غدًا
39.
وأسمعه رجلٌ من أهل الشام، يقال له عصام بن المصطلق، ما يكره في نفسه وفي أبيه، فاستعاذ بالله وتلا آياتٍ من سورة الأعراف، ثم قال له: خفّض عليك، أستغفر الله لي ولك
40؛ فقابل الجفاء بالدعاء، والإساءة بالاستغفار والصفاء.
وكتب إليه أخوه محمد ابن الحنفية في شأنٍ كان بينهما، فلبس الحسين رداءه ونعله، وصار إليه فترضّاه41؛ فكان هو السابقَ إلى الصلح، والمبادرَ إلى رتق الجرح.
ونازعه الوليد بن عتبة في مالٍ له، فأبى الحسين أن يُضام في حقه، وأقسم لئن لم يُنصفه ليدعوَنّ بحلف الفضول الذي تعاقدت عليه قريش لنصرة المظلوم، فلما بلغ ذلك الوليدَ أنصف الحسينَ من حقه حتى رضي42.
ولمّا مات أخوه الحسن، وكان سعيد بن العاص أميرَ المدينة يومئذ، قدّمه الحسين للصلاة عليه وهو يقول: تقدّمْ، فلولا أنها السُّنّة ما قدّمتُك
43؛ فقدّم السنّة على ما في نفسه، وأقام حدود الشرع في ساعة حزنه. ووقف على قبر أخيه فقال في تعزية أهله: أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى عليه
44.
وكان في لباسه على هدي جدّه في التواضع والاقتصاد؛ قال الخياط الذي قطع له قميصًا: قلت: أجعله على ظهر القدم؟ قال: لا
، قلت: فأجعله من أسفل الكعبين؟ قال: ما أسفلَ الكعبين في النار
45.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
18من علمه وروايته
وحمل الحسين عن جده ﷺ وعن أبيه علمًا مأثورًا، فروى عنه ﷺ: إنّ من حُسن إسلام المرء تركَه ما لا يعنيه
46، وروى: البخيلُ مَن ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليّ
47، وروى: للسائل حقٌّ وإن جاء على فرس
48. ووصف وضوء أبيه سيدنا علي كرّم الله وجهه فقال: دعاني أبي علي بوَضوء، فقرّبته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه
49. ونُقل عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ أنه قال: هو رسول الله ﷺ
50.
فكان لسانه بالصلاة على جده رطبًا، وكان قلبه بحق السائلين رحبًا؛ يأخذ العلم من معدنه، ويؤدّيه إلى أهله في موطنه.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
19البشارة بالشهادة
وكان رسول الله ﷺ قد أُخبر بما يُكتب لسبطه من الشهادة، وما يُدّخر له عند ربه من الكرامة والسعادة. فقد روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن الحسين كان جالسًا في حِجر النبي ﷺ، فقال جبريل عليه السلام: أتحبّه؟ فقال ﷺ: وكيف لا أحبّه وهو ثمرةُ فؤادي
، فقال: أمَا إن أمتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضةً فإذا تربةٌ حمراء51.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن مَلَكَ المطر استأذن ربه أن يزور النبي ﷺ، فدخل الحسين فجعل يتوثّب على جدّه، فقال الملك: أتحبّه؟ قال: نعم
. قال: إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه، فأراه تربةً حمراء أخذتها أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها52.
وقالت أم سلمة رضي الله عنها: دخل الحسين على رسول الله ﷺ وأنا جالسةٌ عند الباب، فاطّلعتُ فرأيته يقلّب شيئًا بكفّه والصبيُّ نائمٌ على بطنه، ودموعه تسيل، فقال: إن جبريل أتاني بالتربة التي يُقتل فيها، وأخبرني أن أمتي يقتلونه
53.
وحدّث سيدنا علي كرّم الله وجهه قال: دخلتُ على النبي ﷺ ذات يوم وعيناه تفيضان، فقلت: يا نبي الله، ما لعينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل قليل، فحدّثني أن الحسين يُقتل بشطّ الفرات
، ثم قال: فهل لك أن أُشمّك من تربته؟
قلت: نعم، فمدّ يده فقبض قبضةً من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيّ أن فاضتا54. فلما سار سيدنا علي إلى صفّين ومرّ بنِينَوى نادى: اصبرْ أبا عبد الله، اصبرْ أبا عبد الله بشطّ الفرات
55، وكان يقول: لَيُقتلنّ الحسين قتلًا، وإني لأعرف التربة التي يُقتل فيها، قريبًا من النهرين
56.
فكانت تلك التربة وديعةً في القلوب قبل أن تكون موضعًا في الدروب، وكان الحسين يكبر ونبأُ الشهادة يكبر معه، كما يكبر النخل ومعه ثمره.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
20الطريق إلى العراق
وكان أخوه الحسن يرى ما لا يراه غيره، ويخاف على أخيه ما لا يخافه على نفسه؛ جاءته أضبارةٌ من كتب أهل العراق، فدعا بماءٍ فألقاها فيه ولم يفتح منها شيئًا، وقال: من قومٍ لا يرجعون إلى حق، ولا يقصرون عن باطل، أما إني لست أخشاهم على نفسي، ولكني أخشاهم على ذلك
، وأشار إلى الحسين57.
فلما تُوفّي معاوية وبويع ليزيد، أبى الحسين أن يبايع، وخرج من المدينة إلى مكة، فنزل بها دار العباس58. وأتته كتب أهل الكوفة تدعوه إليهم، فأشفق عليه أهلُ النصح والمحبة، وتواردوا عليه بالكلمة الصادقة والدمعة الساكبة: فسار إليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مسيرة ليلتين، فقال: إن الله خيّر نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعةٌ منه، لا يليها أحدٌ منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خيرٌ لكم، فارجعوا
، فأبى، فاعتنقه ابن عمر وبكى، وقال: أستودعك الله من قتيل
59. ونهاه عبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم60.
فكان جوابه جوابَ من عرف حرمة البيت، وآثر أن يُقتل على أن تُنتهك حُرمته: قال لابن عباس: لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليّ من أن يُستحلّ بي حرمُ الله ورسوله
61، وقال له: إن هذا الحرم يُستحلّ برجل، ولأن أُقتل في أرض كذا وكذا غير أنه يُباعده أحبُّ إليّ من أن أكون أنا هو
62. وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تُعظّم ما يريد أن يصنع، وتخبره أن عائشة حدّثتها أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: يُقتل حسينٌ بأرض بابل
، فلما قرأ كتابها قال: فلا بدّ إذًا من مصرعي
63. وكتب إليه عبد الله بن جعفر يناشده الله، فكتب إليه: إني رأيتُ رؤيا، رأيتُ فيها رسول الله ﷺ، وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له
64.
ولقيه الفرزدق في الطريق فقال له: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية
65. فمضى الإمام لا يلتفت إلى السيوف، لأن قلبه معلّقٌ بالأمر المعروف، ورجاؤه في لقاء ربه موصول، وعهدُه مع جدّه ﷺ غيرُ مخذول.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
21يوم عاشوراء
ولمّا أحاطت به الخيل والرجال، قال: ما اسم هذه الأرض؟ قيل: كربلاء، قال: صدق النبي ﷺ، إنها أرضُ كربٍ وبلاء
66. ويُروى أنه قام في أصحابه خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الدنيا تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، ألا ترون الحقّ لا يُعمل به، والباطلَ لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برَمًا
67.
ولمّا أحسّ بالقتل قال: ائتوني ثوبًا لا يرغب فيه أحد، أجعله تحت ثيابي لا أُجرَّد
، فقيل له: تُبّان، فقال: لا، ذاك لباسُ من ضُربت عليه الذلّة
، فأخذ ثوبًا فخرقه وجعله تحت ثيابه68؛ فصان الكرامةَ حتى في ساعة الوداع، وأبى أن يلبس لباس الذلّة ولو تحت القناع. وقام إليه رجل فقال: أفيكم حسين؟ قالوا: نعم، قال: أبشرْ بالنار، فقال الإمام: أبشرْ بربٍّ رحيم، وشفيعٍ مُطاع
69؛ فما ضاق صدره عن البشارة حتى في وجه الشماتة، ولا غاب عنه حسن الظن بربه في أشدّ الساعات.
وكان أصحابه حوله خمسين، وتحوّل إليه من جند خصومه عشرون، فقُتلوا بين يديه، وبقي عامّة نهاره لا يتقدّم إليه أحد، وأحاطت به الرجّالة، فكان يشدّ عليهم فيهزمهم، وهم يكرهون الإقدام عليه70، حتى كان يوم الجمعة، يوم عاشوراء، من سنة إحدى وستين71، فاستُشهد سيدنا الحسين بأرض كربلاء، صابرًا محتسبًا، وفيًّا لما عاهد الله عليه، ثابتًا على الحق ثبوتَ الجبال الرواسي، لا يلين ولا يتزعزع. وقال محمد ابن الحنفية: قُتل معه سبعة عشر شابًّا، كلّهم ارتكض في رحم فاطمة
72.
ولمّا جيء برأسه الشريف إلى عبيد الله بن زياد، فجعل ينكت بقضيبه، وقال في حُسنه شيئًا، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان أشبهَهم برسول الله ﷺ
73، وقال له: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُقبّل موضعَ قضيبك من فيه
74. فشهد الحُسنُ للحسين بعد موته، كما شهد له في حياته، وبقي ثغرُه الذي قبّله المصطفى حجّةً على الظالمين إلى يوم ميقاته.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
22ما بعد الشهادة
ورأى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما النبيَّ ﷺ فيما يرى النائم بنصف النهار، وهو قائمٌ أشعثُ أغبر، بيده قارورةٌ فيها دم، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم
، فأحصَوا ذلك اليوم فوجدوه قد قُتل يومئذ75.
ودخلت سلمى على أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وهي تبكي، فسألتها عن بكائها، فقالت: رأيتُ الآن رسول الله ﷺ، تعني في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب وهو يبكي، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدتُ قتلَ الحسين آنفًا
76. وقالت أم سلمة: سمعتُ الجنّ تنوح على الحسين بن علي
77.
وقالت أم حكيم: قُتل الحسين وأنا يومئذ جُوَيرية، فمكثت السماء أيامًا مثل العَلَقة
78. وذكر الإمام الزهري أنه لما قُتل الحسين لم يُرفع حجرٌ ببيت المقدس إلا وُجد تحته دمٌ عبيط79.
وجاء رجلٌ من أهل العراق إلى عبد الله بن عمر يسأله عن دم البعوض، فقال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابنَ النبي ﷺ، وسمعتُ النبي ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا
80. فجعل ريحانة النبي ﷺ ميزانًا لمن تورّع في الصغائر وتجرّأ على الكبائر.
وذكر الإمام الشعراني رضي الله عنه أن رأسه الشريف حُمل إلى مصر، فدُفن بالمشهد المشهور بها، ومشى الناس أمامه حفاةً من غزة إلى مصر تعظيمًا له81؛ فصار لمصر من الحسين نصيبٌ تتعطّر به أرجاؤها، وتستنير به أحياؤها، ويؤمّه المحبّون بالزيارة والصلاة، ويجدون عنده من الأنس ما تطيب به الحياة.
فبكت عليه الأرض والسماء، وانكسرت لفقده قلوب الأولياء، وبقي ذكره في القلوب مصباحًا لا يخبو، ونجمًا لا يأفُل ولا يكبو.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على جدّه المختار، وارضَ عن سبطه الحسين وعن آله الأطهار.
23الختام والدعاء
هذا يسيرٌ من سيرة الحسين وشمائله، وقليلٌ من كثير فضائله؛ نثرناه في مجلس المحبة نثرَ الورد في الرياض، وسقيناه بالصلاة على جده كما تُسقى الحدائق من الحياض.
اللهم إنا نسألك بحبّ نبيك ﷺ وحبّ سبطيه، أن تجعلنا ممن دخل في دعوته: اللهم إني أحبهما فأحبَّهما، وأحِبَّ من يحبهما
. اللهم ارزقنا مودّة القربى كما أمرت، والأدب مع أهل بيت نبيك كما أحببت، واجعل لنا من حلم الحسين نصيبًا في معاملة من أساء، ومن جوده حظًّا في قضاء حوائج الضعفاء، ومن صبره عُدّةً عند نزول البلاء، ومن ثباته على الحق قوّةً لا تعرف الالتواء. واجمعنا بهم في دار كرامتك، تحت لواء جده سيد المرسلين، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
القسم المنظوم
قصيدة عَرْف الريحانة
على البحر الخفيف، وقافيتها النون المكسورة بعد ياءٍ ساكنة. تُنشد الأبيات، ويردّد الحاضرون اللازمة بعد كل مقطع.
مقاطع القصيدة
المطلع
المولد
الشبه والمحبة
ليلة أسامة والتعويذ
يوم المنبر
في البيت النبوي
الكساء والمباهلة
حسينٌ مني
من شمائله
الطريق إلى العراق
البشارة بالشهادة
يوم عاشوراء
ما بعد الشهادة
الختام
الحواشي
مواضع الأخبار في «مسند سيد الشهداء الإمام الحسين» جمع الشيخ عصام أنس الزفتاوي، الإصدارة الثالثة، القاهرة 1448هـ/2026م، وفي الأصول التي أحال إليها. أرقام الصفحات أرقام المطبوع، والأحكام منقولة عن أصحابها كما ذكرها الجامع.
- ↩ الشعراني، الطبقات الكبرى 1/23، بنقل ترجمة المسند ص 24-25.
- ↩ ترجمة المسند ص 19، عن تهذيب الكمال 6/397-398. وفي ابن ماجه 3923 (المسند، خبر 19) الطفل «حسين أو حسن» على الشك.
- ↩ الزبير بن بكار، ترجمة المسند ص 19.
- ↩ أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني (المسند، خبر 277-279، ص 147-149). قال الهيثمي: فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في طريق أبي يعلى: إسناد ضعيف لضعف ابن عقيل.
- ↩ ترجمة المسند ص 19.
- ↩ أبو داود 375، ابن ماجه 522، عن أم الفضل لبابة بنت الحارث (المسند، خبر 250، ص 130).
- ↩ أبو داود 2841، وعند النسائي «كبشين كبشين» (المسند، خبر 240، ص 125). والفرق في العدد محفوظ.
- ↩ الطبراني والبزار عن أنس (المسند، خبر 256، ص 138-139)، وفي لفظه «ولم يجد ذِبحًا». قال الهيثمي: في إسناد الكبير ابن لهيعة، وإسناده حسن.
- ↩ مالك في الموطأ (المسند، خبر 264، ص 144).
- ↩ الترمذي، وقال: حسن غريب (ص 33).
- ↩ الطبراني (المسند، خبر 117، ص 71). قال الهيثمي: رجاله ثقات.
- ↩ البخاري 3753.
- ↩ الترمذي 3768، وقال: حسن صحيح.
- ↩ الترمذي، وقال: غريب من هذا الوجه.
- ↩ الترمذي 3769، وقال: حسن غريب (المسند، خبر 1).
- ↩ البخاري 3371 (المسند، خبر 241).
- ↩ الترمذي 3774، وقال: حسن غريب (المسند، خبر 5).
- ↩ الطبراني (المسند، خبر 118، ص 71). قال الهيثمي: رجاله مختلف في الاحتجاج بهم.
- ↩ مسلم 2424 (المسند، خبر 18).
- ↩ مسلم والترمذي بعزو المسند ص 31، من حديث سعد بن أبي وقاص.
- ↩ ابن ماجه 144.
- ↩ الترمذي 3775، وقال: حسن (المسند، خبر 108).
- ↩ ابن حبان وأبو يعلى (المسند، خبر 113، ص 69). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعد وهو ثقة.
- ↩ مسلم 2423، والترمذي 2775 (المسند، خبر 237، ص 124).
- ↩ مسدد (المسند، خبر 287، ص 152).
- ↩ ابن حبان 3325 (المسند، خبر 269، ص 145).
- ↩ أبو داود 4213، عن ثوبان (المسند، خبر 236، ص 123).
- ↩ ابن حبان عقب 909: «ابن سبع سنين إلا شهرًا»، ترجمة المسند ص 20.
- ↩ الذهبي في سير أعلام النبلاء 3/280 وما بعدها، بنقل ترجمة المسند ص 20 (رواية جعفر بن محمد، والزهري، والواقدي).
- ↩ إسحاق بن راهويه (المسند، خبر 145، ص 88-89)، وصحح الذهبي إسناده في السير 3/285. لفظ قول عمر الأخير في المطبوع: «إنما أنت على رؤوسنا، ما نرى إلا الله عز وجل وأنتم»، فأُدّي بمعناه.
- ↩ ترجمة المسند ص 21، بنقل الذهبي.
- ↩ ترجمة المسند ص 20، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص.
- ↩ الطبراني في الأوسط 3917 (المسند، خبر 114، ص 70). قال الهيثمي: فيه علي بن سعيد بن بشير، وفيه لين، وهو حافظ.
- ↩ مصعب الزبيري بنقل الذهبي، وزيادة «ونجائبه تقاد معه» من رواية عبيد الله الوصافي، والشعراني «تقاد بين يديه» (ترجمة المسند ص 21 و24؛). وقال الهيثمي في طريق الطبراني (المسند، خبر 385): بإسناد منقطع.
- ↩ أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والطحاوي وابن جرير (المسند، خبر 204، ص 111-112). قال الهيثمي: بيّن أبو يعلى سماع ابن إسحاق، فصحّ الحديث. وصححه ابن جرير.
- ↩ مسدد (المسند، خبر 198، ص 110). قال البوصيري: رواه مسدد موقوفًا بسند صحيح.
- ↩ مالك في الموطأ (المسند، خبر 290، ص 153-154).
- ↩ البخاري 7110 (ص 29).
- ↩ الشعراني، الطبقات الكبرى 1/23 (ص 24-25).
- ↩ أبو حيان، البحر المحيط 5/258-259 (المسند، خبر 302، ص 159).
- ↩ البيهقي، شعب الإيمان 7963 (المسند، خبر 307، ص 161).
- ↩ سيرة ابن هشام 1/134 من طريق ابن إسحاق (المسند، خبر 306، ص 160-161).
- ↩ الطبراني والبزار والحاكم (المسند، خبر 228، ص 119). قال الهيثمي: رجاله موثقون.
- ↩ الدينوري، المجالسة 1022، عن ابن السماك (المسند، خبر 305، ص 160).
- ↩ الطبراني 2793 (المسند، خبر 201، ص 111). قال الهيثمي: الخياط لم يُسمَّ، وبقية رجاله ثقات.
- ↩ أحمد 1737 ومسدد والطبراني (المسند، خبر 144، ص 88). قال الهيثمي: رجال أحمد والكبير ثقات. ونقل المنذري عن جماعة من الأئمة أنه عن علي بن الحسين مرسلًا.
- ↩ الترمذي 3546 وأحمد 1736 وغيرهما، والخلاف في كونه من مسند الحسين أو من روايته عن أبيه مذكور في المسند ص 74-76.
- ↩ أبو داود وأحمد 1730 وغيرهما (ص 76-77).
- ↩ المسند ص 77.
- ↩ تفسير الثعلبي 14/333، والمحرر الوجيز 3/157 (ص 159).
- ↩ البزار (المسند، خبر 313، ص 165). قال الهيثمي: رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف.
- ↩ أبو يعلى والبزار (المسند، خبر 308، ص 163). قال الهيثمي في عمارة بن زاذان: وثقه جماعة وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح. وانظر أحمد (المسند، خبر 319، ص 168)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
- ↩ إسحاق بن راهويه (المسند، خبر 322، ص 169).
- ↩ ابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني (المسند، خبر 314، ص 165). قال البوصيري: بسند صحيح، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
- ↩ الخبر نفسه (المسند، خبر 314).
- ↩ الطبراني 2824 (المسند، خبر 366، ص 182). قال الهيثمي: رجاله ثقات.
- ↩ الطبراني (المسند، خبر 289، ص 153). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن الحكم بن أبي زياد وهو ثقة.
- ↩ الذهبي في السير، بنقل ترجمة المسند ص 22-23.
- ↩ الشعبي بنقل الذهبي، ترجمة المسند ص 21 و23.
- ↩ ترجمة المسند ص 23-24.
- ↩ الطبراني 2859 (المسند، خبر 360، ص 180). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. ومثله جوابه لعبد الله بن الزبير عند الفسوي، المعرفة والتاريخ 2/753 (ص 21).
- ↩ ابن أبي شيبة 37364 (المسند، خبر 362، ص 181).
- ↩ ترجمة المسند ص 24، بنقل الذهبي.
- ↩ ترجمة المسند ص 24.
- ↩ ترجمة المسند ص 24، عن لبطة بن الفرزدق عن أبيه.
- ↩ الطبراني 2902 (المسند، خبر 386، ص 188). قال الهيثمي: فيه يعقوب بن حميد بن كاسب، وهو ضعيف وقد وُثّق.
- ↩ الطبراني (المسند، خبر 376، ص 185-186). قال الهيثمي: محمد بن الحسن هو ابن زبالة، ضعيف.
- ↩ الطبراني 2850 (المسند، خبر 388، ص 188). قال الهيثمي: رجاله إلى قائله ثقات.
- ↩ الطبراني 2849 (المسند، خبر 389، ص 189). قال الهيثمي: فيه عطاء بن السائب، ثقة لكنه اختلط.
- ↩ الذهبي، بنقل ترجمة المسند ص 24.
- ↩ الزبير بن بكار (ص 19)، وابن أبي شيبة (ص 187-188).
- ↩ الطبراني (المسند، خبر 387، ص 188). قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح. ومعنى العبارة وحدود العدد يحتاجان تحقيقًا، فنُقلت بلفظها.
- ↩ البخاري 3748، والترمذي 3778 (المسند، خبر 309، ص 164).
- ↩ أبو يعلى والبزار والطبراني (المسند، خبر 309، ص 164). قال الهيثمي: رجاله وُثّقوا.
- ↩ أحمد وابن أبي شيبة (ص 183). قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.
- ↩ الترمذي 3771، وقال: غريب (ص 191).
- ↩ الطبراني 2862 (ص 192). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
- ↩ الطبراني 2839 (ص 191). قال الهيثمي: رجاله إلى أم حكيم رجال الصحيح.
- ↩ الطبراني 2834 من طريق أبي بكر الهذلي، وقال الجامع: صالح للاعتبار وله شواهد (ص 177).
- ↩ البخاري 3753 و5994، والترمذي 3770 (المسند، خبر 359، ص 180).
- ↩ الشعراني، الطبقات الكبرى 1/23، بنقل ترجمة المسند ص 25.